تفسير قرآن

تفسير سورة البقرة

من الآية 91 إلى الآية 110

 

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{البقرة/91}

عندما عُرضت الدعوة على اليهود في المدينة رفضوا الإيمان بالقرآن وقالوا إننا لا نؤمن إلا بما أنزل علينا أي بالتوراة، وهم في الحقيقة لم يؤمنوا بالتوراة ولم يعملوا بها، وهنا رد الله عليهم إذا كنتم تؤمنون بالتوراة كما تزعمون فلماذا قتلتم أنبياء الله الذين عملوا بما في الكتب السماوية، وبهذا بيّن الله زيفهم مرة أخرى وأنهم قوم معاندون عنصريون.

وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ{البقرة/92}

أيها اليهود الكاذبون كيف تدعون بأنكم آمنتم بالتوراة وقد جاءكم موسى بألواح التوراة فنبذتموها وراء ظهوركم وعبدتم العجل من دون الله وقد ظلمتم أنفسكم بذلك.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ{البقرة/93}

يعرض القرآن الكريم في هذه الآية وثيقة أخرى يدين بها اليهود الذين يكذبون على أنفسهم أولاً، ألم يأخذ الله عليكم الميثاق من قبل وقد رفع فوقكم الجبل وأمركم أ، تأخذوا التوراة بقوة فسمعتم وعصيتم لأن حب العجل دخل في قلوبكم فاحتل مكان الله فيه، فإن كان الإيمان يأمركم بذلك فبئس هذا النوع من الإيمان.

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/94}

يظهر من تاريخ اليهود أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم الفئة الناجية وأنهم أبناء الله وأنهم لن يعذبوا بالنار وأنهم شعب الله المختار وأن الجنة لهم وحدهم، فإذا كنتم تحبون الله ويحبكم كما تزعمون فلماذا لا تتمنون الموت الذي يقربكم من الله ويدخلكم الجنة التي هي لكم وحدكم، فإن كنتم صادقين فيما تقولون فتمنوا الموت فإنه ينقلكم إلى جنتكم وإلى جوار ربكم.

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ {البقرة/95}

يخبرنا الله هنا عما كان يدور في نفوس اليهود ويقول إنهم لن يتمنوا الموت أبداً لأنهم يعلمون بأنهم أصحاب صحف سوداء في الكفر والنفاق والخداع والإعتداء على الأنبياء، وهم يعرفون في نفوسهم أنهم ليس أحباء الله وأن الجنة ليست لهم وذلك بسبب كفرهم وعنادهم، فلقد كانوا على يقين من أنهم لو ماتوا لكانوا من أهل النار.

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ {البقرة/96}

لو بحثتَ في واقعهم لوجدهم أحرص الناس على الحياة الدنيا لأنها دار نعيمهم دون الآخرة، وأن شدة حرصهم عليها يفوق حرص المشركين عليها، يخبرنا الله تعالى بأن اليهودي يتمنى لو يعيش في الدنيا ألف سنة لأنه يحب الحياة الزائلة ويغرق في متاعها وزخارفها، وعلى فرض أنه عاش تلك المدة فإن ذلك لن يبعده عن العذاب لأن الله محيط بما يفعلون.

 

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{البقرة/97}

عندما قدم رسول الله(ص) إلى المدينة جاءه جماعة من يهود أهل فدك وراحوا يطرحون عليه الأسئلة، وكان من جملة ما طرحوه عليه أيّ ملك يأتيك بما يُنزل الله عليك؟ فقال جبرائيل، فقال أحدهم: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك فنزلت هذه الآية رداً عليهم.

وهذا نوع من اللجاج والأعذر الواهية التي كان يتذرع بها اليهود الذين يعلمون بأن الملائكة تنفذ أوامر الله عز وجل فلا يمكن ان نصف أحدهم بما لا يليق ونصف الآخر بصفات حميدة لأن مرد ما يقوم به الملائكة إلى الله تعالى، وكأنهم منخلال إعلان العداوة لجبرائيل يعلنون العداء لمن ينزل عليه جبرائيل ولكنهم أعلنوا ذلك بطريقة غير مباشرة، وبالتالي هم يواجهون حكم الله وإرادته.

ورغم أنهم يعادونه إلا أن الله تعالى ينزله على قلبك لينقل إليك الوحي، وهو بالتالي ينزل بما هو كائن في كتبهم، وإن كل ما نزل به جبرائيل وإن اعتبروه حرباً فلقد وُجد في كتبهم.

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ{البقرة/98}

جاء ت هذه الآية لتؤكد ما جاء في الآية السابقة مقرونة بالتهديد والوعيد مبينة أن عداء الملائكة كفر بالله تعالى وأن الله عدو للكافرين.

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ{البقرة/99}

جاء في سبب نزول هذه الآية أن أحد أحبار اليهود ويدعى بن صوريا قال لرسول الله(ص): يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها:

والعجب أن هذا الحبر فيما مضى أتى من فدك وطرح على رسول الله الكثير من الأسئلة وصدّقه في كل ما قاله، وها هو اليوم وبكل بساطة ينكر نبوة محمد ونزول الوحي عليه، وتؤكد الآية الكريمة نزول آيات بينات على رسول الله وإن كفر اليهود وغيرهم بذلك، ولا يكفر في هذه الآيات إلا من كان فاسقاً، واليهود أكبر شاهد على الفسق.

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {البقرة/100}

في هذه الآية يذكر الله صفة لازمت اليهود عبر وجودهم، وهي صفة النكول ونقض العهود، فلقد كانوا بعد كل بلاء ينزل عليهم يعاهدون الله بأن يؤمنوا ويعملوا صالحاً ويلتزموا بما جاء في الكتب السماوية ولكنهم سرعان ما يعودون إلى طبيعتهم وينقضوا ما عاهدوا الله عليه، والسبب أن أكثرهم لا يؤمنون.

وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {البقرة/101}

كان أحبار اليهود قبل البعثة النبوية يحدثون الناس عن النبي الموعود ويذكرون لهم علاماته وصفاته، وقد انقلبوا على أعقابهم بعدما بعث الله نبياً ليس منهم فأعلنوا له العداء وكذّبوا بما عرفوه وأنكروا ما كانوا يقولونه قبل البعثة بحيث أنهم ألقوا الكتاب السماوي وراء ظهورهم وكأنهم لم يقرؤوه وذلك بسبب النزعات العنصرية التي تحكمت بهم وبسبب استحواذ الشيطان عليهم.

وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ{البقرة/102}

قد لا يكون المراد بالشياطين هنا شياطين الجن فإن الشياطين من الإنس يقومون بالواجب عنهم ويمثلونهم على هذه الأرض، ففي زمن نبي الله سليمان(ع) مارست مجموعة من الناس فن السحر فجمع سليمان كل أوراقهم وكتاباتهم ووضعها في مكان آمن ليفصل بينهم وبين الشر، ولكنه عندما انتقل إلى رحمة الله أخرج بعض الناس تلك الكتابات وراحوا ينشرون السحر بين الناس لغايات وضيعة، وقد أشاعوا بين الناس أكذوبة أن سليمان لم يكن نبياً وإنما كان ساحراً، فنزلت هذه الآية الكريمة لترد مزاعمهم وتثبت نبوة سليمان.

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمـَانَ فهنا نسأل من هم الذين اتبعوا؟ هل هم اليهود المعاصرون لخاتم الأنبياء أم الذين كانوا في زمن سلمان أم أن الضمير يعود على الجميع، والمراد بالشياطين إما أن يكون شياطين الإنس أو شياطين الجن أو كليهما.

وما تلته الشياطين على ملك سليمان هو اتهامه بالسحر، فجاءت الآية لترد ذلك فقال تعالى(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمـَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ويمكن أن يراد بالكفر هنا هو السحر أو أن الكفار يستعملونه.

وهؤلاء اليهود لم يتهموا سليمان بالكفر فقط وإنما راحوا يزورون ما أتى به هاروت وماروت، وهما إسمان فارسيان قديمان، وهذان الشخصان هما كما ورد في الأخبار ملكان أرسلهما الله للناس على هيئة البشر وقد كانا يعلمان بفن السحر وقد جاؤوا إلى الناس ليعلموهم سبل إبطال السحر، ولا يمكن أن نتعلم فن إبطال السحر إلا بعد أن نتعلم فن السحر، وهذا ما صنعه الملكان حيث اضطرا لتعليم الناس السحر حتى يعلماهم فن إبطاله، وكانا دائماً يحذران الناس من السقوط في الفتنة ويبينان لهم أنهما فتنة وامتحان لهم ولا ينبغي السقوط في الفتنة، ولكن اليهود لم يحذروا كعادتهم فراحوا يستغلون علم هاروت وماروت فيما يضر الناس ويفرقهم وهم يعلمون بأن ذلك عمل رخيص وقد باعوا دينهم في سبيل ذلك العمل الرخيص وهو السحر والشعوذة، وهم يعلمون بأن الذي يشتري هذا العمل ما له في الآخرة من رحمة ولا عذر ولا نجاة.

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ {البقرة/103}

لو آمن بنوا إسرائيل واستعملوا ما تعلموه في الإصلاح لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة، وما عند الله خير وأبقى ولكن الإنسان عدو نفسه ورهين شهواته.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ{البقرة/104}

كان الصحابة يطلبون من رسول أن يتمهل عند بيان الأحكام حتى تتسنى لهم فرصة السؤال، وكانوا يستعملون لذلك لفظ راعنا، أي تمهل قليلاً، فراح اليهود يستعملون هذا اللفظ في معنى الرعونة ويسخرون بالنبي والمسلمين عبر هذا الإستعمال فسد الله الطريق على اليهود وأمر المسلمين بأن يستعملوا لفظ انظرنا بدل راعنا وبهذا يكون قد فوّت على اليهود فرصة ذهبية.

وأما مخاطبة الناس بالذين آمنوا فقد ورد هذا الإستعمال في القرآن حوالي ثمانين مرة، وكلها نزلت في المدينة المنورة مما يعني أن الهجرة كانت تأسيساً للإيمان.

مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {البقرة/105}

وهنا يكشف الله لنا ما يكنه اليهود والمشركون في صدورهم تجاه الرسالة والرسول والمؤمنين بهما، فلقد تمنى هؤلاء أنه لم ينزل القرآن علينا حتى تبقى أكاذيبهم منتشرة بين الناس ويبقى اليهود هم الحاكمون، ولكن شاءة حكمة الله وسنته أن يختص برحمته من يشاء من عباده وقد اختص برحمته خاتم أنبيائه فأنزل عليه أعظم كتاب سماوي.

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/106}

حاول اليهود بشتى الوسائل أن يزرعوا الشك في نفوس المسلمين تجاه دينهم الحنيف، وكل ذلك بدافع الحسد والبغض في آن واحد، فلم يؤمن اليهود يوماً بنبي من أنبياء الله حتى يؤمنوا بالنبي الخاتم الذي ليس منهم كما يدعون والذي قضى على مصالحهم في المدينة التي كانت أهم مركز تجاري لهم، وكانوا يحاولون التسلل إلى قلوب المسلمين بطرق ذكية ولكنهم غفلوا عن أن المسلمين لا يثقون بكلامهم لأنهم مهما قالوا ومهما فعلوا فهم اليهود الذين قتلوا أنبياء الله من قبل ونشروا الفساد في الأرض.

وكان النبي(ص) يصلي إلى جهة بيت المقدس فكان اليهود يعيرون المسلمين في ذلك ويدعون بأن الدين هو دين اليهود وأن القبلة قبلتهم وأن نبي الإسلام يتوجه في صلاته إلى قبلة اليهود، وبقوا يبثون هذه الإشاعات إلى أن أمر الله نبيه بالتوجه في الصلاة نحو الكعبة المشرفة، ورغم ذلك لم يتوقف اليهود عن عملية زرع الشك في النفوس فراحوا يقولون للمسلمين هذه المرة لو كانت القبلة الاُولى هي الصحيحة، فلم هذا التغيير؟ وإذا كانت القبلة الثانية هي الصحيحة، فكل أعمالكم السابقة ـ إذن ـ باطلة.

فرد الله على مزاعمهم بأن الله قادر على نسخ آية ووضع آية مكانها تكون مثلها أو أفضل منها وبيده مقاليد السموات والأرض وهو على كل شيء قدير.

ولا بد لنا هنا من الوقوف على معنى النسخ والإنساء فإن النسخ يشير إلى المدى القصير أما الإنساء فإنه يشير إلى المدى البعيد لأن معنى الإنساء في اللغة هو بمعنى التأخير أو الحف.

وقد يُشكل البعض فيقول: لا إشكال في كون الناسخة خيراً من المنسوخة أما إذا كانت الآية الناسخة مثل الآية المنسوخة أليس في ذلك شيء من اللغو والعياذ بالله؟ نقول: قد يكون لحكم من الأحكام فوائده على هذا الزمان فقط دون الآتي فيأتي الله بحكم مثل الماضي وله نفس الفوائد على الزمن الثاني.

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{البقرة/107}

الله تعالى يتصرف في خلقه كيفما يشاء فهو يمحو ويثبت ما يشاء ولا يُسأل عن فعله لأن ملك السموات والأرض وما فيهما له والجميع ينصاع لقدرته فيا أيها المسلمون لا تسمعوا إلى كلام اليهود فإنهم يريدون إخراجكم من النور إلى الظلمات بعد أن أخرجكم ربكم من الظلمات إلى النور وليس لكم نصير سوى رب العالمين فهو معكم أينما كنتم.

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{البقرة/108}

لكل آية سبب نزول، وسبب نزول هذه الآية مختلَف فيه بين المفسرين مع اتفاقهم على المضمون، فقال بعضهم جاء وهب بن زيد ورافع بن حرملة إلى رسول الله(ص) وقالا: إئتِ لنا بكتاب من الله مرسل إلينا نقرأه لكي نؤمن بك، أو أجر الانهار لنا حتى نتبعك.

وقال بعضهم: إنّ جماعة من الاعراب جاءوا إلى رسول الله وطلبوا منه ما طلب بنو إسرائيل من موسى، فقالوا: أرنا الله جهرة

وقال آخرون: إنهم طلبوا من رسول الله أن يجعل لهم صنماً من شجرة خاصة ليعبدوه كما قال بنو إسرائيل لموسى من قبل.

ولعل الله تعالى في هذه الآية يوجه تحذيراً لبعض ضعاف الإيمان الذين دخل شيء في قلوبهم من كلام اليهود، فلقد أتاكم رسولكم بما يكفي من المعجزات، والمعجزات ليست ألعوبة في أيديكم حتى تطلبوها متى تشاؤون، فإذا سألتك محمداً بما سأل به اليهود موسى فقد كفرتم بالله عز وجل لأن هذا الطلب يخرج الإيمان من قلوبكم ليحل محله الكفر وإن عاقبة ذلك شديدة وهي عذاب الله سبحانه وتعالى.

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/109}

 

في هذه الآية الكريمة يفضح الله اليهود ويكشف عما يدور في صدورهم تجاه الإسلام والمسلمين فهؤلاء لم يكتفوا فقط بإعراضهم عن الدين الحنيف بل تمنوا لو لم يؤمن أحد بمحمد وذلك بدافع الحسد والعناد، وهؤلاء اليهود ليسوا جاهلين بالحقيقة فهم يعرفون الحق مثلهم حيث نزل عليهم ما أنزل الله عليكم ولكنهم كفروا بربهم فلا ينبغي عليكم أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم وإلا فسوف يكون مصيركم مثل مصيرهم.

ولا تعاملوهم كما يعاملونكم بل اعفوا واصفحوا فإن ذلك من علامات المسلم واتكلوا على الله فسوف يجعل الله لكم من أمركم مخرجاً.

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{البقرة/110}

لكي يستطيع المسلم أن يواجه الشر فهو بحاجة إلى قوة يتمتع بها، وقد أشارت هذه الآية إلى سببين لتلك القوة، الأول إقام الصلاة وهذا ارتباط بين العبد وربه، والثاني إيتاء الزكاة وهو رمز التكافل بين أفراد الأمة المسلمة، فإذا كان المسلم مع الله وكان المسلم مع المسلم فعندها لن يرهبه شيء مما حوله، وتلك الصالحات التي تقدمونها هي لأنفسكم وهي رصيد لكم ليوم القيامة ولن يصيب اللهَ منها شيء، وكل عمل تقومون به وكل كلمة تلفظونها فإن الله تعالى يعلمها ويعلم ما هو أخفى منها.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى